
أوراق شمعون المصري – أسامة عبد الرءوف الشاذلي
رواية أوراق شمعون المصري: “وبعد…
فهذا خِتامُ ما كتبَهُ “شمعون بن زخاري”، والملقب بشَمْعون المَصْري، عن أخبارِ بني إسرائيل في برية سين، وما كان من أمرِهم منذ عبور البحر وحتى وفاة موسى بن عمران. وأعلم أني ما كتبت في هذه الرقاع إلا أحَدَ أمرين، أمر شهدته بعيني أو أمر سمعته من رجل من الرجال الثِّقات.
وأُشِهد الربَّ (إيل)، أني ما بغيْتُ بهذا الكتاب مجدًا ولا شرفًا، وإنما إظهار شهادتي على جيل من شعب بني إسرائيل، اصطفاه الله وأنجاه بمعجزة من عدوِّه، ثم غضب عليه وأهلكه في تلك البرية القفراء، بعد أن أذاقه شقاء الارتحال ومرارة التيه. هذا كتاب لا أدري من سيكون قارئه، فأيًا من تكن أرجو أن تتذكر كاتب هذه الأبواب بالرحمة وأن تَدعو له بالغفران”
شمعون بن زخاري بن رأوبين الملقب بشمعون المصري
تم في الليلة الأخيرة من الشهر الثامن لسنة ستين بعد الخروج
رواية 005 – شهد قربان
**أوراق شمعون المصري… عندما شرعت فى قراءتها ظننت أنها مجرد رواية تستقي أحداثها من التاريخ القديم و لكن هيهات إنها التاريخ القديم نفسه.
*من الظلم أن أصِفها برواية _ رغم أنها رواية _ كما أنه انتقاص من قدرها إذا وصفتها بمجرد كتاب تاريخ _ رغم أنها تتحدث عن التاريخ _ بل هي تحفة فنية تناديك و تأسرك و تشدك فى عالمها بمنتهى السهولة و من اول صفحة.
*استطاع الكاتب وصف فترة زمنية لعالم جمع فيه الكاتب بين شعبين منفصلين رغم أنهم أبناء عمومة من خلال صبي صغير خرج من بحر منشق إلى ملكوت الله باحثا عن الإله.
*مجهود بحثي تاريخي كبير؛ و سرد سلس جداً رغم قوة الأحداث؛ ودقة بالغة فى استخدام اللغة ؛ و تفوق واضح فى رسم الأبعاد النفسية و الاجتماعية لجميع شخصيات الرواية؛ إجادة فى رسم عالمين منفصلين و حقيقيين بقدرات تخيلية بارعة في وصف الأماكن بدقة رغم كثرتها .
*برع الكاتب فى عقد مقارنة ممتازة طيلة الأحداث بين بني إسرائيل بالديانة اليهودية و العرب بالديانة الإبراهيمية ؛بين بيت المقدس و الكعبة المشرفة؛ بين عصبية العرب لبيتهم المقدس و جبن بني إسرائيل في الدفاع عن بيتهم المقدس رغم وجود نبي الله موسي عليه السلام بينهم بين التيه في سيناء لبني إسرائيل و التيه في مكة لبني اسماعيل ……… إلى غير ذلك من المقارنات الكثيرة و لكن كل ذلك فى إطار روائي بل و رومانسي أيضاً.
** قصة رومانسية جميلة بين شمعون من بني إسرائيل و بين أروى سليلة النسب العربي؛ و بالرغم من أنها المفترض أنها جانبية و لا تؤثر على الاحداث التاريخية الكبرى في الرواية إلا أن الكاتب استطاع تحويل دفة الأحداث بهدوء عن طريق هذه القصة بحيث يجعلها المتحكمة في الأحداث.
**شخصية شمعون زخاري الباحث عن اليقين مما جعله شاهد على العصر؛ برع الكاتب في رسم شخصيته الأب عبراني من بني إسرائيل و الأم مصرية ممن آمن من أتباع فرعون و الزوجة عربية من بني اسماعيل.
**مما أسرني و أبهرني في الرواية إلمام الكاتب بآيات بني إسرائيل في القرآن الكريم و أسفار التوراة و رسم الخط الزمني للأحداث من خلال هذه الآيات فجاء الربط بين القرآن الكريم و أسفار التوراة مع التاريخ و الفلسفة و المنطق بشكل فيه قدر كبير من الإبداع و الجمال لم اره من قبل؛ وان كان يؤخذ عليه الخلط في هذا الخط احيانا.
*** نظرة عامة على الرواية :
١- الكتاب الأول:
– قصة سيدنا موسى مع بني إسرائيل منذ الخروج و حتى التيه.
-إجمالا ممتاز ؛براعة في استخدام اللغة؛ خط زمني واضح من خلال آيات القرآن الكريم
-العيوب: أ- اختزال شخصية السامري في أنه مجرد نحات و زوج عمة شمعون ليس إلا و هو ما لا يتناسب مع حجم الفتنة كما لم يستطع الكاتب على إثرها توضيح معنى (و قبضت قبضة من أثر الرسول).
ب- لم يثبت قرآنيا أن قصة أصحاب السبت كانت في عهد موسى عليه السلام؛ و الله اعلم.
٢- الكتاب الثاني:
– وهو رحلة شمعون بين العرب حتى وصوله لمكة او بكة.
-أخرج الكاتب كل ما بجعبته من إبداع في جمال اللغة؛ و عمق الشخصيات؛ و دقة رسم الأماكن و المدن رغم الاختلاف الكبير بينها مثل يثرب و الحجر و إدوم ؛و إسعادي شخصيا بقصة رومانسية لطيفة بين شمعون و أروى و التعلق بهما؛ يعني من الآخر مفيش غلطة 😂😂.
٣- الكتاب الثالث:
– حيث مكة و أحداث مؤلمة بين بني اسماعيل انتهت بظهور الشيطان عمرو بن لحي و معه بداية عهد الاصنام فى مكة.
-هذا الجزء بالذات هو مزيج بين الفرحة و الألم؛ بين لمّ الشمل و فراق الأحبة؛ بين عصبية العرب للبيت المحرم و تخاذلهم في نصرته و ترك الاصنام في الكعبة.
-كالعادة برع الكاتب في اللعب بمشاعر القارئ بين الفرحة بنهاية سعيدة لقصة شمعون و أروى؛ ليث و لمارا؛ بل وعمرو و هوي أيضا و بين الحزن على فقدان الشيخ عابر حكيم العرب و بين الغضب على العرب لتخاذلهم في ظهور الاصنام و التي بدأت بهُبل.
-يؤخذ على الكاتب ما يلي : أ- قصة موسى عليه السلام و الخضر عن طريق شهبور و ما رآه في مجمع البحرين و التي كان واضحا أنها إقحام في الرواية؛ كما أنه لم يثبت مثلا ان أم الغلام الذي قتله الخضر كانت تعلم أنه يستحق الموت و لكن نعلم أنها كانت من الغيبيات التي خصها الله بالخضر فقط.
ب-الخلط في الخط الزمني الذي كان واضحا في بداية الأمر؛ فموسي عليه السلام كان قبل الرسالة المحمدية بألفي عام و لم يثبت أن هذا العصر هو بداية ظهور الاصنام في مكة.
٤- الكتاب الرابع :
-النهاية…. نهاية الرحلة و نهاية القصة و نهاية المتعة.
-صدمة التعلق بالشخصيات و فجأة تصبح رفاتا؛ فأروي الطفلة التي شبت أمامنا و الشابة التي كانت زهرة الرواية و الزوجة التي كانت مثال الوفاء لزوجها فجأة في السطر التالي تصبح رفاتا!!!!
شمعون شاهد العصر و الباحث عن اليقين و محرك الأحداث أغمض عينيه!!
-النهاية آلمتني كثيرا و كنت أود انتقادها و لكن لم أستطع لأنها نهاية طبيعية لكل شئ و كل حياة.
-و لكن قصة بقرة بني إسرائيل لم تكن بهذه الصورة و هذا السياق و كنت أتمنى عدم ظهورها.
***** إجمالا الرواية فوق الممتاز بكثير تاريخية بنكهة رومانسية و أنصح بشدة بقراءتها.