رواية ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي

ذاكرة الجسد

ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي

ذاكرة الجسد: في حضور الوجدان تتألق معاني أحلام مستغانمي، وفي ذاكرة الجسد تتوج حضورها، حروفاً كلمات عبارات تتقاطر في حفل الغناء الروحي. موسيقاه الوطن المنبعث برغم الجراحات… مليون شهيد وثورة ومجاهد، وجزائر الثكلى بأبنائها تنبعث زوابع وعواصف الشوق والحنين في قلب خالد الرسام الذي امتشق الريشة بعد أن هوت يده التي حملت السلاح يوماً، والريشة والسلاح سيّان، كلاهما ريشة تعزف على أوتار الوطن. ففي فرنسا وعندما كان يرسم ما تراه عيناه، جسر ميرابو ونهر السين، وجد أن ما يرسمه هو جسراً آخر ووادياً آخر لمدينة أخرى هي قسنطينة، فأدرك لحظتها أنه في كل حال لا يرسم ما نسكنه، وإنما ما يسكننا.


وهل كانت أحلام مستغانمي تكتب ذاكرة الجسد أم أنها تكتب ذاكرة الوطن؟!! الأمر سيّان فما الجسد إلا جزء من الوطن وما الوطن إلا هذا الجسد الساكن فيه إلى الأبد. تتقاطر الذكرى مفعمة بروح الماضي الذي يأبى إلا الحضور في كل شيء متجسداً السي طاهر التي كما عرفها خالد طفلة رجل قاد خطواته على درب الكفاح؛ عرفها أنثى… كانت من الممكن أن تكون حبيبته، زوجته، ولكنها باتت زوجة في زواج لم يحضره، تلف الذكرى الصفحات، وتتهادى العبارات ممسكة بتلابيب الذكريات دون أن توقظ النفس ملل الحضور. الوطن والحبيبة يجتمعان، والثورة والحب ينصهران في بوتقة واحدة، ومزيجهما عطاء فكري، بعيد عن الخيال، للواقع أقرب، وللإنسان في صدق مشاعره وأحاسيسه أقرب وأقرب.

__________

عندما قرأت كتاب “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي، حدث شيء غريب معي

لم أكن أتوقع أن تتحول الكلمات إلى مرآة تُظهِر لي وجهي بين السطور. كنتُ أقرأ عن “حليم” و”ناصر”، عن جراح الجزائر والمنفى، ولكنني فجأة كنت أقرأ عنّي.

عن يديّ وأنا ألمس الغلاف المتعب، وكأنه جلد ذاكرة قديمة. عن قلبي وهو ينقبض حين وصفت أحلام الجرح، ليس جرح الوطن فقط، بل جرح كل أنثى تحمل ذاكرتها في جسدها الهش. الجسد الذي يسجّل كل لمسة، كل نظرة، كل انكسار، فيخوننا أحياناً بتذكّره ما تحاول أذهاننا نسيانه.

تذكرت يدي الصغيرة وأنا أمسك بقلمي لأول مرة، وكيف كانت تخاف من الخطأ على الصفحة البيضاء. الآن، جسدي كله صفحة بيضاء مليئة بالكتابات التي خلّفها العشاق، والمدن التي رحلت عنها، والنساء اللواتي كنّي ذات يوم.

الكتاب جعلني أشعر بأن ذاكرتي ليست ملكي وحدي. هي نسيج من أصوات كل من أحببتهم، وروائح الأماكن التي عشت فيها، وصدى الأغاني التي بكتها أمي في المطبخ. ذاكرتي هي جرح جميل لا أريد أن يندمل، لأنه الدليل الوحيد على أنني عشتُ، وأحببتُ، واشتقتُ.

شكراً لأحلام.. لأنها لم تكتب رواية، بل كتبتنا نحن.

الزقاق العتيق

رواية المرجومة – فريدون صاحبجام